السيد جمال محمد صالح

41

وانقضت أوهام العمر

الفصل الرابع وللموضوع صلة عدتُ في المساء إلى غرفتي ، اضطجعت على السرير ، نازعتني أفكار متعددة ، شعرت بها متناقضة . . ولكن ؟ ! لِمَ سيطرت علي هذه المسائل حتّى استحوذت على كُلّ فكري ، وسلبتني لبّي وجعلتني أسيراً لها ، لا أفكر في سواها ، طويت كشحاً عن التفكير في كُلّ شيء سواها ، حتّى عن التفكير في الأهل والذكريات ، والطموحات والآمال الجديدة ، وما يمكن أن يعتري كُلّ شاب في مقتبل عمره ، يغزو بروحه فضاء معمورة أُخرى ، لم يكن قد نشأ بين أحضانها وترعرع في كنف أهلها حتّى سكن بين ظهرانيهم ، بل لم يكن قد ولد في ربوعها . نسيت كُلّ شيء ، كنت أسلط شعاع نظر الفكر على دائرة واحدة ، يحدوني الأمل أن أبلغ ومن خلالها إلى ما يمكنه أن يريحني ويوقظني من تعاستي التي شعرت كأن حالي قد غدا كذلك . . لأنّي بتّ أسائل القلب : ترى لو تبين لي عكس ما أرى ، فما سيكون حكم كُلّ هذه السنين التي مضت ؟ وكيف لي أن أعتد بشهادة التخرج التي حصلت عليها من كلية الآداب في الجامعة . . وهل لي بعد ذلك أن أتنافس في التفاخر على أقراني . . أنا الذي كنت وما زلت أبزّ العالمين بزّاً بنهضاتي وسبحات أوطار عقلي التي لا تعرف لنفسها أيّما ظِلٍّ من حدود . . ذلك لأنّي طيلة هذه الأيام المنصرمة ، وطوال كُلّ هذه السنين المنتفية ما كنت إلاّ غرضاً لمقامع إبليس . . إذ ما كان بي ولو للحظة واحدة أن